رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

109

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

العمل في كلّ باب ، وإن أودعت فيها بأسانيد مخصوصة ، وأنّه - طاب ثراه - لم يحكم بصحّة تلك الأخبار إلّابعد اقترانها بما يوجب كمال الاطمئنان والوثوق بورودها عن المعصومين عليهم السلام ، ومتضمّناتها أحكام واصليّة جائزة العمل بها إلى زمان ظهور وليّ الأمر وصاحب العصر صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه الكرام . وقد أعطانا الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام في هذا الباب دستوراً لنعمل به ؛ قال عليه السلام بعد ذكر الصحابة المرضيّين : « اللّهمَّ وأوْصِلْ إلى التابعينَ لهم بإحسان [ . . . ] الذين قَصَدوا سَمْتَهم ، وتَحَرَّوْا وِجْهَتَهم ، ومَضَوْا على شاكلتهم ، لم يَثْنِهِمْ ريبٌ في بصيرتهم ، ولم يَخْتَلِجْهم شكٌّ في قَفْو آثارهم والائتمام بمنارهم « 1 » ، مُكانفين ومُوازرين لهم ، يَدينونَ بِدينهم ، ويَهتدونَ بِهَدْيِهم ، يَتّفقونَ عليهم ، ولا يَتَّهِمُونَهم فيما أدّوا إليهم » الدعاء . « 2 » ولعلّ ظنّنا واطمئناننا بورود تلك الأخبار عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، الحاصل من جهة أخبار هؤلاء الأخيار ، ليس بأقصر من الظنّ الحاصل بالاجتهاد بين آراء الجارحين والمعدّلين ، الذين كان من الظاهر البيّن أنّ تلك الآراء لم تحصل لهم بالمعاشرة أو الشياع إلّافي قليل ، وفي الباقي إمّا بنقل النقلة - وإذ لم يذكروا أسماءهم ، فمن أين لنا المعرفة بحالهم - أو بالروايات التي يحتاج إلى النظر في أسانيدها . فما ذكره مؤلّفو كتب الرِّجال من أحوال من لم يكن معاصراً لهم ، بل كان قبلهم بسنين كثيرة ، قبولنا له بمحض حسن ظنّنا بهم أنّهم لم يألوا جهداً في تحصيل الاطمئنان ، مع أنّه يُحتمل أن يكون على وجه اجتهاد منهم ، وكانوا قد أخطأوا ؛ لمساهلةٍ وتقصير في بذل المجهود ، فلو قلنا على سبيل حسن ظنّ بثقة الإسلام : إنّه لم يَأْلُ جهداً في تعرّف أحوال الخبر الذي أدّاه إلينا وأخبر بصحّته ؛ بمعنى أنّه كان معمولًا بين علماء أصحاب الأئمّة عليهم السلام ، مرجعاً لعظماء الشيعة ، لا بمعنى أنّي ظانّ بثقة راويه ، أو

--> ( 1 ) . في المصدر : « والائتمام بهداية منارهم » . ( 2 ) . الصحيفة السجّاديّة ، ص 40 ، الدعاء 4 .